26 يوليو 2013

خرسيس أدب سيس

هذا مقال كتبته عام 2008 عن تركيا فى عهد إردوجان و ما أشبه الليلة بالبارحة


خرسيس أدب سيس                             بقلم   اقبال بركة



على الرغم من كل ما تبذله  الحكومة التركية لإقناع الغرب بأنها  تختلف عن كل البلاد الإسلامية ، و أنها تتمتع بديمقراطية راسخة و حقيقية ،  تتضمن ، بالطبع ، حرية التفكير و حرية التعبير و احترام الآخر ..الخ ، إلا انها وقعت فى المحظور ولم تستطع أن تحتفظ بذلك القناع المزيف طويلا . لقد كشفت الأحداث منذ سبتمبر الماضى أن ما يقرب من 18 كاتب تركى مهددون بتقديمهم للمحاكمة و قد يحصلون على أحكام بالسجن تتراوح من ثلاث الى أربع سنوات ونصف . فقد ابتدع المشرع التركى مادة  رقم 103 فى قانون العقوبات التركى تتيح محاكمة و سجن من يقوم بإهانة " الهوية التركية " . و هو تعبير مطاط و يندرج تحته  عشرات الأفعال و الأقوال التى قد تنجم عن الكتاب و الفنانين بحسن نية ، أو  باستخدامهم  حقهم فى التعبير بحرية عما يعتقدون . و فى 21 سبتمبر 2006 قدمت كاتبة تركية تحظى بقدر كبير من الاحترام و الشهرة  هى  الصحفية التركية شفق اليفة التى  برأتها المحكمة من تهمة " إهانة التركية " . أما سبب التهمة " الشنيعة " فقد كانت بعض عبارات وردت على لسان شخصيات فى رواية الفتها شفق  بعنوان " بابا و المحتال "  ve Pic (Father and Bastard). التى ترجمت الى الإنجليزية  بعنوان " المحتال  الاستنبولى " و حظيت بنسبة توزيع عالية  . و بطبيعة الحال اتجهت أنظار الإعلام العالمى الى استنبول و تابعت المحاكمة عشرات العدسات التابعة للصحافة و الفضائيات العالمية . وقدمت منظمة القلم الدولية عريضة احتجاج الى الحكومة التركية ، طالبتهابمراجعة  تلك القوانين " سيئة السمعة " التى تحاصر الفنون والآداب وتهدد حريةالمبدعين فى التفكيرو التعبير . وقد حضرت شفق محاكمتها  رافعة الرأس ، فلم تخف و لم تتردد ، بل صرحت للصحافة الأجنبية  بأن هناك العديد من القوانين التى تهدد حرية الفن و الأدب فى تركيا و يستخدمها المحافظون لكبح جماح الفنانين و الأدباء ، و أنها ستبذلمع رفاقها أقصى الجهد  للتخلص من تلك القوانين .
و على الأقل هناك 18  كاتب آخر  من بينهم ناشرين و صحفيين  يواجهون المحاكمة  بتهمة "الإهانة"  ، و تحت قوانين أخرى  تستخدم لخنق حرية التعبير فى تركيا ، من بينهم  كاتبة أخرى مؤلفة رواية " لطيفة هانم"  إيبك كاليزلار   التى قدمت للمحاكمة يوم 5 اكتوبر الماضى بسبب تجرؤها على تأليف ترجمة حياة زوجة مصطفى كمال أتاتورك السيدة لطيفة ،  وكانت مهددة بأن تتم ادانتها و الحكم عليها بالسجن لمدة قد تصل الى أربع سنوات و نصف  بسبب " إهانة " ذكرى  أتاتورك  تحت القانون رقم  5816 ، و قد ذكرت إيبك  فى كتابها أن أتاتورك تنكرفىملابس  امرأة ليهرب من  محاولة اعتداء على حياته  ..! و هناك أيضا الناشر  التركى فاتح تاس  الذىنشر  ترجمة تركية  لكتاب " مفاسد الحروب  : التكاليف البشرية  لتجارة السلاح الأمريكية " للكاتب  الأكاديمى  جون تيرمان  .
لقد اتضح مؤخرا أن حرية التعبير  تجد عنتا فى كل البلاد الإسلامية حتى أعتى الديمقراطيات وأقدمها مثل تركيا ، و التى يبدو أنها لم تتخلص بعد من الروح العثمانية المتعسفة على الرغم من مرور ما يقرب من ثمانين عاما علىتخلصها من السلاطين العثمانيين ، فما زال فى تركيا بعض أحفاد التركى الشهير الذى كان يضع صفا من القلل أمام بيته و يجلس أمامه ، و كلما تقدم شخص ليشرب من إحدى " القلل" شخط فيه قائلا " خرسيس .. أدب سيس "  و أمره بأن يشرب من "قلة " أخرى .. لمجرد الرغبة فىالسيطرةو  التحكم ..   
يحدث هذا فى الوقت الذى تتطلع فيه الحكومة التركية للإنضمام الى  محفل الديمقراطية و المجتمع المفتوح ، و تسعى بكل جهدها للانضمام الى السوق الأوروبية . و يبدو أن الميراث العثمانلى لا يريد أن يتزحزح ليس فقط من عقل الأتراك ، بل من عقول " توابع السلطنة العثمانية " جميعهم ..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق